x

تسجيل الدخول

Remember me
Forget password ?

Or via social

x

سجل

  • English
  • العربية

مراجعة الفيلم المصري “يوم الدين” – مهرجان كان 2018

مراجعة الفيلم المصري “يوم الدين” – مهرجان كان 2018

10 مايو 2018
Mina Nagy Michel Takla

يندر أن ترى مخرجاً ينجح بخوض منافسات مهرجان كان بعمله الروائي الأول، فمن بين جميع الأعمال الروائية الأولى التي عُرضت في أبرز أجنحة المهرجان  العريق على مدار تاريخه الذي يمتد إلى 71 عاماً، لم ينجح سوى فيلمان فقط في تحقيق هذا الإنجاز الاستثنائي في السنوات الأخيرة، وكان أولهما هو Son of Saul وتبعه يوم الدين الذي يأخذ مشاهديه في رحلةٍ عاطفيةٍ لا تُنسى تمسّ وجدانهم، وتأسر قلوبهم بفضل سرديته الصادقة.

لقد كان هذا الفيلم قصيدةً حيةً تبرهن على قوة السينما، وتذكرةً توقظ روح الإنسانية في ذواتنا، ويُرينا بأن هناك الكثير مما يستحق المرء أن يعيش من أجله بعيداً عن المنظر، والشكل، والحجم. ترسم لنا لوحة المخرج أبو بكر شوقي صورةً لمصر لم نرها من قبل في إطارٍ سينمائيٍّ من منظور رجلٍ كُتب له الشفاء من مرض الجذام، ولكن وباءه الفعلي كان عالماً قد رفضه بصورةٍ تامة.

نستهل القصة مع بشاي، مسيحيٌّ ابتلي بمرض الجذام يسعى لأن يكسب قوت يومه بجمع بعض الأشياء الثمينة التي يجدها في مكبات النفايات ليبيعها لاحقاً ويدفعه إلى ذلك عزة نفسه وترفعه أن يكون يوماً بحاجةٍ لمن يمدّ له يدّ عونٍ يستبعد أن تجد لها طريقه أصلاً. ولكن عندما تتوفّى زوجته، تعصف ببشاي دوامةٌ من التساؤلات عن حياته، وهو ما يدفعه إلى قرارٍ بخوض رحلةٍ جذريةٍ محاولاً أن يعرف لماذا هجره أبوه ولم يعد له بعد أن تركه وهو طفلٌ على باب مستعمرة الجذام. ويرافقه في رحلته أوباما، وهو يتيمٌ نوبيٌّ أسود البشرة (نسبةً إلى قبائل النوبة التي استقرّت على ضفتي نهر النيل) يجد في بشاي إنساناً يستطيع أن يستأمنه. وهكذا ينطلق الإثنان في رحلةٍ محفوفةٍ بالمخاطر دون أن يعرفا ماذا ينتظرهما. وتسوقهما الأقدار، في رحلتهما هذه، إلى الطيب والقاسي، ويشكّك كلٌّ منهما في دوافع الآخر.

قد تكون القصة بسيطةً ومباشرةً، ولكن جوهرها العاطفي هو أحد أهم مزاياها، فقد رسمت القصة رمزيتها بذكاءٍ بالغٍ، فيوم الدين هو مثالٌ نادرٌ على فيلمٍ مصريٍّ استطاع حقاً تجاوز الحدود وإيجاد طريقٍ للوصول إلى شريحةٍ جمهوريةٍ عالمية، مع قدرته أيضاً بكل تأكيد على التأثير على الشرائح الجمهورية الرئيسية. تنطوي منهجية فيلم يوم الدين البسيطة على رسالة تسامحٍ وتقبلٍ بات عالمنا اليوم في أمسّ الحاجة إليها في ظلّ هذا الزمن الصعب الذي نرى فيه كيف تصدّر البلدان والأنظمة أحكامها على الناس بناءً على مظهرهم. بل وحتى القوانين للأسف التي صارت اليوم تسعى إلى تقسيم الناس وتصنيفهم عوضاً عن السعي إلى جمعهم وتقريبهم من بعضهم البعض.

ولو نظرنا إلى الجانب التقني، فقد استطاع الفيلم تصوير مصر بإتقانٍ فذٍّ باللجوء إلى طرقٍ جديدةٍ كلياً، إذا تمكّن الفيلم في التركيز على الجمال في قلب البؤس والسمو في أصغر التفاصيل، ولا يخفى على أحدٍ روح الأصالة والصدق البارزة في هذا الفيلم، بفضل حرصه على تصوير القصة في مواقع حقيقية. والأهم من هذا، لم يحرص يوم الدين على بثّ رسائل سياسيةٍ ثقيلةٍ في وقتٍ تحاول فيه الكثير من أفلام الشرق الأسط أن تُثقِل وتنهك سردياتها. ولهذا السبب تحديداً ينجح فيلم يوم الدين، فهو لا يحاول أن يتحدّث كثيراً عن البلد التي تجري أحداثه فيه، ولكنه يسهب في تناوله للإنسانية والحبّ غير المشروط.

راضي جمال، المبتلى بمرض الجذام بالفعل، هو النجم والأبرز لفيلم يوم الدين، إذ جسّد شخصية بيشاي بإنسانيةٍ، وعاطفةٍ، وجماليةٍ مذهلة، ونجح في اصطحاب الجمهور إلى تجربةٍ عاطفيةٍ غامرة، وطبعاً كونه مصاباً حقاً بمرض الجذام يضفي على أداءه بعداً آخر من المصداقية، ويمنح الفيلم جوهراً عاطفياً قوياً.

ويُضاف إلى ذلك موسيقى الفيلم التي كانت أيضاً إحدى أفضل جوانبه، فهي تبرز البعد العاطفي، وتجعل من رحلة بشاي وأوباما رحلةً ممتعةً بحق بالرغم من التحديات التي يواجهانها.

يوم الدين هو، كما نعرف جميعاً، يومٌ يقف فيه الجميع في صفٍّ واحدٍ سواء فلا يفرق بينهم لون أو مظهر أو نسب.  ويتساءل الفيلم في مٌسماه إن كان التعاطف في حياتنا اليومية يستطيع أن يجعلنا أقرب إلى هذا التساوي فعليًا بدلًا من انتظار..يوم الدين.

كلمة أخيرة: عمل أشبه بلوحة فنية شاعرية يزيّنها أداء راضي جمال بإبداعٍ حقيقي. فيلم مشرّف للسينما العربية، يفيض بجماله، وعمقه، وإنسانيته.

 

0 Commentتعليقات

Leave a commentاترك تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *